دراسة عالمية: العمالة الحرفية الماهرة أصبحت موردا نادرا يحتاجه الذكاء الاصطناعي
تدفع طفرة الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة الطلب على العمالة الماهرة، فيما يهدد نقص الفنيين والكهربائيين ومشغلي المعدات قدرة الاقتصادات على تنفيذ استثمارات بتريليونات الدولارات.
First reported 6 hours ago · latest update 2 hours ago
تتسابق الحكومات والشركات على ضخ تريليونات الدولارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة، لكن انتقال هذه الاستثمارات من الخطط إلى التنفيذ يكشف عن قيد أقل حضورا في النقاش حول اقتصاد المستقبل، يتمثل في توافر العمالة الماهرة القادرة على بناء هذه البنية التحتية وتشغيلها وصيانتها.
وتبدو المفارقة في أن طفرة تقودها أكثر التقنيات تطورا تعيد في الوقت نفسه رفع قيمة المهارات العملية واليدوية. فمراكز البيانات تحتاج إلى كهربائيين وفنيي جهد عال ومتخصصي تبريد ومشغلي معدات، بينما تعتمد مصانع الرقائق والبطاريات وشبكات الكهرباء ومشروعات الطاقة المتجددة على طيف واسع من عمال التركيب والصيانة والتشغيل.
وتكشف دراسة حديثة للمنتدى الاقتصادي العالمي حجم التحول في الطلب على هذه العمالة. فمن بين 28 مهارة شملها تحليل المنتدى جاءت مهارات البناء والتركيب في الصدارة، إذ تحتاج إليها الوظائف الصاعدة بمستوى يزيد 140% على الوظائف المتراجعة. وبلغ الفارق 67% في تشغيل المعدات والآلات، و40% في مناولة ومعالجة الموارد المادية.
ولا تمثل هذه المهن شريحة هامشية من سوق العمل. فالوظائف التي يصنفها المنتدى ضمن "اقتصاد الصُنّاع"، وتشمل بناء المنتجات والبنية التحتية وتركيبها، وتشغيل المعدات والتعامل مع الموارد المادية، تستحوذ على 45.6% من العمالة العالمية.
وتتجاوز حصة هذه الشريحة من اليد العاملة 60% في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء، مقابل نحو 35% في أوروبا و25% في أمريكا الشمالية. وبذلك يرتبط نحو نصف سوق العمل العالمية، بدرجات متفاوتة، بالاقتصاد المادي الذي تستند إليه قطاعات التكنولوجيا والصناعة والخدمات الحديثة.
وتعطي إعلانات التوظيف في الولايات المتحدة مؤشرا آخر على قوة الطلب. فبحسب تحليل لموقع "إنديد"، المتخصص في إعلانات التوظيف، أورده المنتدى، تتطلب 24.1% من الوظائف المعلن عنها مهارات عملية من هذا النوع، وترتفع النسبة إلى 72% في سلاسل الإمداد والنقل، و67% في التصنيع، و64% في البنية التحتية، و60% في السيارات والطيران.
ويأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة المحفزات الجديدة لهذا الطلب على عمالة اقتصاد الصناع. وتقدر مؤسسة "ماكنزي" الأمريكية للاستشارات الإدارية والإستراتيجية أن الاستثمار العالمي المطلوب في مراكز البيانات قد يقترب من 7 تريليونات دولار حتى عام 2030، مع استحواذ الولايات المتحدة على أكثر من 40% منه.
ولا تتوقف متطلبات هذه الاستثمارات عند الخوادم والرقائق. فنماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى مراكز بيانات، وتشغيل هذه المراكز يتطلب الكهرباء وشبكات النقل ومحطات التحويل وأنظمة التبريد، بما يحول كل توسع في القدرة الحاسوبية إلى طلب إضافي على العمالة القادرة على بناء هذه الأصول، وتركيب معداتها وتشغيلها.
ويُحذّر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية من أنه حتى السيناريوهات الأكثر تحفظا بشأن التوسع الأمريكي قد تولد صدمات في الطلب تتجاوز قدرة القوة العاملة الحالية في هذه المهن على استيعابها، فيما يواجه مشغلو مراكز البيانات بالفعل صعوبة في استقطاب العمال المؤهلين.
ولا يتطور الذكاء الاصطناعي بمعزل عن موجات استثمارية أخرى تتنافس على المهارات نفسها التي يحتاج إليها هذا القطاع. فقد قدرت وكالة الطاقة الدولية الاستثمار العالمي في الطاقة بنحو 3.4 تريليونات دولار في 2026، منها 2.2 تريليون دولار في الطاقة النظيفة. وبالتوازي تقدر احتياجات الاستثمار التراكمي في البنية التحتية العالمية بنحو 106 تريليونات دولار حتى 2040، بينما تضيف إعادة توطين الصناعة وسلاسل الإمداد مصدرا آخر للطلب على العمالة الفنية.
ولم يعد نقص المهارات احتمالا بعيد المدى. إذ تشير بيانات شركة "راند ستاد"، المتخصصة في مجال التوظيف وخدمات الموارد البشرية، إلى أن الطلب على العمالة الحرفية الماهرة في الولايات المتحدة ينمو بـ3 أضعاف وتيرة الطلب على الوظائف المهنية.
وتكشف ساعات العمل الإضافية جانبا آخر من الضغوط. فبيانات شركة "إيه دي بي" للحلول وإدارة الموارد البشرية تُظهر أن العاملين في هذه المهن سجلوا ساعات إضافية تزيد بنحو 5 مرات مقارنة ببقية العاملين بنظام الساعة في أحدث فترة تناولتها الدراسة، ووصل الفارق في أقصى مستوياته إلى 6.5 أضعاف.
ويربط المنتدى الاقتصادي العالمي هذه المستويات بمحاولة الشركات تعويض صعوبة التوظيف بالاعتماد بصورة أكبر على العمالة الموجودة. ففي بريطانيا، بات نصف الشواغر في المهن الحرفية الماهرة من الوظائف التي يصعب شغلها.
وتختلف طبيعة الأزمة حسب طبيعة اقتصادات الدول، ففي الدول المتقدمة تلتقي شيخوخة العمالة وتقاعد أصحاب الخبرة مع ضعف إقبال الأجيال الجديدة على المهن الحرفية الماهرة، وتشدد السلطات سياسات الهجرة.
وتتراوح حصة العاملين في سن 55 عاما فأكثر بين 20% و35% في هذه المهن عبر أجزاء من آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. وفي المقابل يتوقع 13% فقط من الفتيان و4% من الفتيات العمل مستقبلا في وظائف من هذا النوع، رغم أنها تمثل 45.6% من العمالة العالمية حاليا.
كما تظل قاعدة الاستقطاب محدودة، إذ تشكل النساء 30% فقط من العاملين في هذه المهن، مقابل 49% في بقية سوق العمل. ويزيد نظام التعليم من صعوبة تعويض النقص، مع تخصيص 4.5% فقط من وقت التعليم الإلزامي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للتعلم العملي والمهني.
وأما الاقتصادات الصاعدة والنامية، فتواجه معادلة مختلفة، فهي تمتلك في كثير من الحالات قوى عاملة أصغر سنا وأكثر وفرة، لكن ضعف التدريب المهني والاعتراف الرسمي يحدان من قدرة هذه الدول على تحويل هذا المورد البشري إلى عمالة تلائم احتياجات الصناعة الحديثة.
وفي ليسوتو ونيجيريا وتنزانيا، يتلقى ما بين نصف المتدربين ونحو ثلاثة أرباعهم التدريب بصورة غير رسمية، ما يقلص فرص حصولهم على مؤهلات معترف بها وانتقالهم إلى وظائف أعلى إنتاجية.
وتتسع الفجوة مع تغير طبيعة المهن نفسها. فلم تعد الخبرة اليدوية وحدها كافية للعمل في مصنع متقدم أو مركز بيانات أو شبكة طاقة حديثة، بل أصبح الجمع بين المهارة العملية والمعرفة الرقمية جزءا من متطلبات الوظيفة.
ويقول 57% من العاملين في هذه المهن إنهم يحتاجون إلى مهارات أقوى في الذكاء الاصطناعي، فيما لا يرى سوى 7% من أصحاب العمل في قطاع البناء بالولايات المتحدة أن جميع الموظفين الجدد تقريبا قادرون على التعامل مع التقنيات الرقمية.
ويضيف ذلك مفارقة أخرى إلى سوق العمل الجديدة. فالمهن التي يحتاج إليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي لبناء بنيته المادية هي نفسها من بين الوظائف الأكثر مقاومة للأتمتة.
ويقدر المنتدى الاقتصادي العالمي مخاطر الأتمتة بنحو 38% في الوظائف ذات المهارات العملية الأضعف، مقابل 19% فقط في الوظائف التي تتطلب أعلى مستويات هذه المهارات. كما ترتبط زيادة قدرها 10 نقاط مئوية في الكفاءة الحركية والحسية بزيادة سنوية في الأجر تبلغ نحو 2500 دولار، وترتفع إلى نحو 3500 دولار عند تحقيق تحسن مماثل في المهارات الرقمية.
ويرتبط ذلك بطبيعة التكنولوجيا الحالية، التي تتقدم بسرعة في معالجة النصوص والصور والبرمجيات، بينما تظل أعمال التركيب والصيانة والتعامل مع المعدات والبيئات المادية المتغيرة أكثر اعتمادا على المهارة الحركية، والخبرة والحكم البشري.
وبدأت الشركات بالفعل في التعامل مع هذه الفجوة. فقد خصصت شركة "ميتا" الأمريكية مبلغ 115 مليون دولار لأكاديمية لتطوير القوى العاملة، ورصدت "غوغل دوت أورغ" 50 مليون دولار لتدريب أكثر من 300 ألف عامل في أكثر من 20 ولاية أمريكية، فيما أعلن صندوق "بلاك روك" الأمريكي لإدارة الأصول استثمار 100 مليون دولار يستهدف تدريب 50 ألف عامل.
غير أن هذه البرامج تظل محدودة عند مقارنتها بتريليونات الدولارات الموجهة إلى مراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية والصناعة. ويمكن لرأس المال أن ينتقل إلى مشروع جديد بسرعة، لكن تكوين كهربائي أو فني أو مشغل معدات متخصص يتطلب تعليما وتدريبا وخبرة تتراكم على مدى سنوات.
وهنا تتحول فجوة المهارات من قضية تخص سوق العمل إلى قيد محتمل على الاستثمار والإنتاج. فالاقتصادات المتقدمة تملك رأس المال والتكنولوجيا، لكنها تواجه قاعدة من أصحاب الخبرة تتقدم في العمر ولا تتجدد بالسرعة المطلوبة. وفي الاقتصادات النامية تتوافر قاعدة أكبر من العمالة الشابة، إلا أن ضعف التدريب والاعتماد الرسمي والمهارات الرقمية يقلص قدرتها على الاستفادة من موجة الاستثمار الجديدة.
ومع تسارع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة، تعود المهارات العملية إلى قلب معادلة النمو. فالتحدي لم يعد يقتصر على توفير رأس المال أو الرقائق أو الطاقة، بل يمتد إلى القدرة على توفير العمال الذين يحوّلون هذه الموارد إلى مصانع وشبكات ومراكز بيانات تعمل فعليا. وبين حجم الاستثمارات المعلنة والقدرة على تنفيذها، قد تصبح العمالة الحرفية الماهرة أحد الموارد الأكثر ندرة في الاقتصاد المادي الجديد.
Citations · 3 reports from 3 outlets
Tap a citation to read it above, right here on T.A.M.
دراسة عالمية: العمالة الحرفية الماهرة أصبحت موردا نادرا يحتاجه الذكاء الاصطناعي
تدفع طفرة الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة الطلب على العمالة الماهرة، فيما يهدد نقص الفنيين والكهربائيين ومشغلي المعدات قدرة الاقتصادات على تنفيذ استثمارات بتريليونات الدولارات.
6 hours agoدراسة عالمية: العمالة الحرفية الماهرة أصبحت موردا نادرا يحتاجه الذكاء الاصطناعي - الجزيرة نت
دراسة عالمية: العمالة الحرفية الماهرة أصبحت موردا نادرا يحتاجه الذكاء الاصطناعي الجزيرة نت
3 hours agoدراسة عالمية: العمالة الحرفية الماهرة أصبحت موردا نادرا يحتاجه الذكاء الاصطناعي - الجزيرة نت
دراسة عالمية: العمالة الحرفية الماهرة أصبحت موردا نادرا يحتاجه الذكاء الاصطناعي الجزيرة نت
2 hours ago